سيد قطب

1940

في ظلال القرآن

سواء عبودية الاعتقاد ، أو عبودية الشعائر ، أو عبودية الشرائع . . فكلها عبودية ؛ وبعضها مثل بعض ؛ تخضع الرقاب لغير اللّه ؛ بإخضاعها للتلقي في أي شأن من شؤون الحياة لغير اللّه . والناس لا يملكون أن يعيشوا غير مدينين ! لا بد للناس من دينونة . والذين لا يدينون للّه وحده يقعون من فورهم في شر ألوان العبودية لغير اللّه ؛ في كل جانب من جوانب الحياة ! إنهم يقعون فرائس لأهوائهم وشهواتهم بلا حد ولا ضابط . ومن ثم يفقدون خاصتهم الآدمية ويندرجون في عالم البهيمة : « وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ ، وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ » . . . ( محمد : 12 ) ولا يخسر الإنسان شيئا كأن يخسر آدميته ، ويندرج في عالم البهيمة ، وهذا هو الذي يقع حتما بمجرد التملص من الدينونة للّه وحده ، والوقوع في الدينونة للهوى والشهوة . ثم هم يقعون فرائس لألوان من العبودية للعبيد . . يقعون في شر ألوان العبودية للحكام والرؤساء الذين يصرفونهم وفق شرائع من عند أنفسهم ، لا ضابط لها ولا هدف إلا حماية مصالح المشرعين أنفسهم - سواء تمثل هؤلاء المشرعون في فرد حاكم ، أو في طبقة حاكمة ، أو في جنس حاكم - فالنظرة على المستوي الإنساني الشامل تكشف عن هذه الظاهرة في كل حكم بشري لا يستمد من اللّه وحده ، ولا يتقيد بشريعة اللّه لا يتعداها . . ولكن العبودية للعبيد لا تقف عند حدود العبودية للحكام والرؤساء والمشرعين . . فهذه هي الصورة الصارخة ، ولكنها ليست هي كل شيء ! . . إن العبودية للعباد تتمثل في صور أخرى خفية ؛ ولكنها قد تكون أقوى وأعمق وأقسى من هذه الصورة ! ونضرب مثالا لهذا تلك العبودية لصانعي المودات والأزياء مثلا ! أي سلطان لهؤلاء على قطيع كبير جدا من البشر ؟ . . كل الذين يسمونهم متحضرين . . ! إن الزي المفروض من آلهة الأزياء - سواء في الملابس أو العربات أو المباني أو المناظر أو الحفلات . . . إلخ . . ليمثل عبودية صارمة لا سبيل لجاهلي ولا لجاهلية أن يفلت منها ؛ أو يفكر في الخروج عنها ! ولو دان الناس - في هذه الجاهلية « الحضارية ! » للّه بعض ما يدينون لصانعي الأزياء لكانوا عبادا متبتلين ! . . فما ذا تكون العبودية إن لم تكن هي هذه ؟ وما ذا تكون الحاكمية والربوبية إن لم تكن هي حاكمية وربوبية صانعي الأزياء أيضا ؟ ! وإن الإنسان ليبصر أحيانا بالمرأة المسكينة ، وهي تلبس ما يكشف عن سوآتها ، وهو في الوقت ذاته لا يناسب شكلها ولا تكوينها ، وتضع من الأصباغ ما يتركها شائهة أو مثارا للسخرية ! ولكن الألوهية القاهرة لأرباب الأزياء والمودات تقهرها وتذلها لهذه المهانة التي لا تملك لها ردا ، ولا تقوى على رفض الدينونة لها ، لأن المجتمع كله من حولها يدين لها . فكيف تكون الدينونة إن لم تكن هي هذه ؟ وكيف تكون الحاكمية والربوبية إن لم تكن هي تلك ؟ ! وليس هذا إلا مثلا واحدا للعبودية المذلة حين لا يدين الناس للّه وحده ؛ وحين يدينون لغيره من العبيد . . وليست حاكمية الرؤساء والحكام وحدها هي الصورة الكريهة المذلة لحاكمية البشر للبشر ، ولعبودية البشر للبشر ! وهذا يقودنا إلى قيمة توحيد العبادة والدينونة في صيانة أرواح الناس وأعراضهم وأموالهم ، التي تصبح كلها ولا عاصم لها عندما يدين العباد للعباد ، في صورة من صور الدينونة . . سواء في صورة حاكمية التشريع ، أو في صورة حاكمية الأعراف والتقاليد ، أو في صورة حاكمية الاعتقاد والتصور . .